شهد الكلام … ” سلسلة قال ربى ” 9

تكررت حوارات بين رب العالمين والكثيرين فى القرآن الكريم .. ولكل حوار غاية أراد الله أن تستقر فى نفوسنا وتتعمق بها لتهدأ .. ونور يستقر فى القلوب لتضئ ..

 

** أيوب عليه السلام

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ *

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ

 

أصل هذا الحوار كان من الله عز وجل لرسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم وهو يواجه من التكذيب والسخرية والإيذاء هو وأصحابه الشيء الكثير، فالله جلّ جلاله يخبره عن نبي كريم اسمه أيوب لاقى في جنب الله ما لاقى ومع ذلك  ” إنا وجدناه صابراً ”

وكان أيوب رجلاً كثير المال وأولاد وأهلون كثر حتى حل به البلاء، ففقد الأموال والأهل وابتعد عنه الناس، وليس بسهل على الإنسان أن يكون عنده كل هذا ثم بعد ذلك يصبح وحيدًا طريدًا ، ولم يبق أحد يحنو عليه إلا زوجته، فكانت تتودد إليه وتصلح من شأنه ، وتعينه على قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته حتى ضعف حالها هي الأخرى، وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجرة لتطعم زوجها، وهي صابرة معه على ما حل به من فراق المال والولد

بعد أن ابتلاه الله بالشيطان الذي تسبب له بالابتلاءات هذه، فهذا أيوب عليه السلام لم يقل اكشف ما بي وارفع عني، ولكن توسل إلى الله بشكوى حاله، وشكوى الحال إلى الله كافية فنادى ربه ” أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ” وفى سورة الأنبياء ” وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  ”

قال ابن القيم رحمه الله معلقًا على دعاء أيوب عليه السلام: “جمع هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد، وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه، ووجود طعم المحبة في التملق، والإقرار له بصفة الرحمة  وأنه أرحم الراحمين، والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره، ومتى وجد المبتلى هذا كشفت عنه بلواه”

واختلف العلماء كم سنة لبث أيوب في  البلاء؟ فقيل: سبع، وقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: ثماني عشرة سنة وهى التى قال بها الاكثرون

فأمره الله فضرب أيوب برجله الأرض فنبع الماء، وقال الله له:

“هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ” يغتسل منه ويشرب منه، وهذا الماء النابع من الأرض في العادة يكون ساخنًا لأن المياه إذا كانت جوفية وخرجت يكون فيها من حرارة الأرض، لكن هذه بأمر الله تعالى خرجت باردة، فاغتسل وشرب منه، وذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره بقدرة الله عز وجل وإرادته .. وأبدله الله صحة ظاهرة وباطنة ، وجمالاً تامًا، ومالا كثيرًا، حتى صب المال صبًا عليه مطرًا عظيمًا جرادًا من ذهب

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “: بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد من ذهب  “” رجل يعني: شيء كثير”” فجعل يحثي في ثوبه ، فناداه ربه ، يا أيوب: ألم أكن أغنيتك عما ترى، قال: بلى يا رب، ولكن لا غني لي عن بركتك  [رواه البخاري: 3391

وبعد شفائه رد الله عليه أهله .. والجمهور على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله.. لكن ليس هناك دليل من القرآن والسنة أنهم ماتوا ، لكن ممكن أنهم انفضوا عنه فيمن انفض، ولم تبق إلا تلك الزوجة الوفية ، فرد الله إليه أهله ومثلهم معهم مضاعفًا، يقال أن الله تعالى رد امرأته إليه، وزاد في شبابها، حتى ولدت له ستاً وعشرين ذكراً ..

وكان أيوب قد غضب على زوجته لتصرف ما وهو مريض فحلف أن يضربها مائة ضربة ، وزعموا أسباب كثيرة لهذا لكن ما ثبت شيء , والله سبحانه وتعالى يغفر لأنبيائه وأوليائه ما يكون من تعجلهم، فلكي لا يضرب زوجته مائة ضربة ولا يحنث في يمينه أوحى الله إليه أن يأخذ مائة عود فيضربها ضربة واحدة، ويقال أن هذه فتوى من الله لأيوب خصيصًا، تسهيلاً عليه وعلى أهله ..

 

هل لنا أن نرى هنا أهم ما يجب أن نراه وهوالأدب مع الله فى السراء والضراء

ان تعكس لنا مرآتنا ما نفعله من سخط فى الضر وزهو فى السراء لنرى صورتنا الحقيقية واضحة أمام قدر الله وقضاؤه .. ونتخلص من الزيف الذى تثرثر به ألسنتنا ولا تحتضنه قلوبنا ..

فأيوب بالرغم من كل ما أصابه قال مسنى الضر..وقال مسنى الشيطان

الأدب مع الله باب عظيم يُخفى وراءه رضا الله ورضوانه ..

تأدب بالشكر والطاعة فى الخير والصحة .. وتأدب بالحمد والرجاء والتذلل فى الضر والعسر ..

تأدب مع الله وأنت فى حضرة قضاءه خيره وشره ..

Author darelbasheer

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *