شهد الكلام .. ” سلسلة قال ربى ”

تكررت حوارات بين رب العالمين والكثيرين فى القرآن الكريم .. ولكل حوار غاية أراد الله أن تستقر فى نفوسنا وتتعمق بها لتهدأ .. ونور يستقر فى القلوب لتضئ ..

 

** مريم ابنة عمران ..

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا  *فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا *

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا

قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ..

 

الحوار هنا بين رب العالمين وأشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن مريم الذى لم يذكر الله فى القرآن امرأة باسمها إلا هى .. فذكر اسمها في أربع وثلاثين موضعاً .. وجعل الله لها سورة باسمها .. فخصها بما لم يخص به نساء العالمين ” وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ

وقصة مريم لم تبدأ هنا بل بدأت عندما  نَذْرت أمها زوجة عمران ما في بطنها محررا من رق الدنيا وأشغالها لخدمة بيت المقدس، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب اللّه لها ذلك ..

عن أبي هريرة قال ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مسه إياه إلا مريم وابنها    “أخرجه البخاري ومسلم ”

وقد كفلها الله زكريا فكان يأت لها بالطعام فتعجب أنْ يرى عندها رِزْقاً لم يحمله إليها، وهي مقيمة على عبادتها في محرابها .. وشاءتْ إرادة الله أن تنطِقَ مريم بهذه المقولة ”  إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ” والتى ستحتاجها مريم فيما بعد حينما تشعر بالحَمْل من غير زَوْج ، فلن تعترض على هذا الوضع، وستعلم أنه عطاءٌ من الله

هجرتْ مريم أهلها وذهبت إلى المكان الذي اتخذته خُلْوة لها .. وكلمة شرقياً تعنى شرقي بيت المقدس، وقد جاء ابتعادها عن أهلها إلى هذا المكان المقدس لتتفرغ للعبادة ولخدمة هذا المكان

واستترت من أهلها وتوارت ، فأرسل اللّه تعالى إليها جبريل عليه السلام على هيئة بشر سويّ الخِلْقة والتكوين لأنها لم تكن لتطيق أن تنظر لجبريل في صورته الملائكية .. ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء ..

فقالت إنى أستجيربالرحمن منك أن تنال مني ما حرمه عليك ان كنت ذا تقوى له وتتقي محارمه ،

فقال لها الملك مجيباً لها ومزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها ، لست مما تظنين ولكني رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا

فتعجبت مريم من هذا وقالت كيف يكون لي غلام ولست بذات زوج ولا يتصور مني الفجور

قال لها الملك مجيباً : إن اللّه قد قال إنه سيوجد منك غلاماً، وإن لم يكن لك بعل ولا يوجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر

فهل كان الغرض من خَلْق عيسى عليه السلام على هذه الصورة أن يُظهِر الحق سبحانه قدرته في الخلق وطلاقة قدرته فقط ؟ لا.. بل هناك هدف آخر أن يجعله آيه وأمراً عجيباً يخرج عن مألوف العادة ، فعيسى ومريم آية واحدة وليسا آيتين لأنهما لا ينفصلان ” وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً  ”

وخلقه مسألة منتهية لا تقبل المناقشة , لأن الكلام إذا كان من الله تعالى الذي يملك كل عناصر الفعل فإن قوله حَقٌّ وواقع، فقال تعالى: ” وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً  ”

 

الأمر المقضى هو الأمر الذى قضاه الله علينا والذى لا محالة واقع ..

فأين ستفر منه هرباً أو كيف ستدفعه عنك مهما أوتيت من قوة ؟..

الإستسلام المطلق لقضاء الله وقدره هو شيم العاقلين المخلَصين أصحاب القلوب التى تفقه والارواح التى تسمو فوق ما تنزغ إليه النفس وتهواه ..

وقد يكون فيما تستسلم له الخير كله دون أن تشعر ولكن فى صورة لا يعييها نظرك القصير .. كل ما يريده الله منك أن تقبله وتستسلم له أولاً .. ثم تثق فى ربك أنه قادر أن يجعل من الشر كل الخير ..

تلك الومضات السحرية التى تًشرق فى قلبك وأنت راضٍ بقضائه هى التى تبقى بداخلك تنير روحك لتسمو وتصفو من شوائب الحياة العالقة بقلوبنا .. وتصعد يوماً إلى خالقها وتجعل في كفن من الجنة وحنوط من الجنة ليتلقاها أهل السماء وهم يقولون روح طيبة جاءت من قبل الأرض .

 

 

 

 

Author darelbasheer

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *