شهد الكلام .. ” سلسلة قال ربى ” 14

تكررت حوارات بين رب العالمين والكثيرين فى القرآن الكريم .. ولكل حوار غاية أراد الله أن تستقر فى نفوسنا وتتعمق بها لتهدأ .. ونور يستقر فى القلوب لتضئ ..

 

موسى وهارون عليهما السلام

 

اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ   *فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ

قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ

قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ  *

فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ *

 

يقول تعالى مخاطباً لموسى عليه السلام بعد ما لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملئه ، يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل الذى تحدد بينهما ، ثم جاء موافقاً لقدر اللّه وإرادته من غير ميعاد ..

فيأمره أن يذهب هو و أخوه هارون إلى فرعون بالمعجزات الباهرات التي ستبهره وهى دليل على صِدْق الرسالة التي تحملونها .. ويأمرهما سبحانه ألا يُقصرا أ, يضعفا فى ذكر الله تعالى , وأن يذهبا إلى فرعون الذى طغى وتجاوز في إسرافه وادعى الألوهية ولابُدَ أنْ يعطياه فُسْحة كي يرى حُجَجهما وآيات ربهما ، ولا يبادراه بعنف وغِلْظة .. فمرارة الحق والنصيحة عليكما أنْ تُغلِّفاها بالقول اللين اللطيف لعله يتذكر أو يخشى وفي عِلْمه تعالى أنه لن يتذكَّر ولن يخشى، وسيموت كافراً غريقاً

فالبرغم من أن الحق سبحانه يعلم ما سيكون من أمر فرعون، لكنْ يريد أنْ يقيمَ الحجة عليه .

فرد موسى وهارون أننا نخاف من فرعون أن يتجاوز الحدّ ، وربما عاجلنا بالقتل قبل أن نقول شيئاً فيسبق قتلُه لنا كلامنا , وقد لا يكتفي بقتلنا بل ويخوض في حَقِّ ربنا ، أو يقول كلاماً لا يليق كما سبق له أن ادَّعى الألوهية.

فيطمئنهم الحق سبحانه بأنى معكما أسمع وأرى؛ فاطمئنّا لأننا سنحفظكما..

ثم يأمرهما أن يقولا له أنهما رسولا ربه فأشارا إلى مقام الربوبية .. وهذه هِزّة قوية تزلزل فرعون لأنهما لم يذكرا مقام ألوهيته ولكن ذكرا مقام ربوبية الله له ، ثم تحوّلا إلى مسألة أخرى وهي قضية بني إسرائيل، وكان فرعون يُسخِّرهم في خدمته ويُعذِّبهم ويشقّ عليهم.

وبهذا علّمهما الحق سبحانه كيف يدخلون على فرعون, وكيف يتحدثون معه في أمر لا يمسّ كبرياءه وألوهيته حتى يخلصوا بنى أسرائيل من العذاب .. وبنو إسرائيل كانوا البقية الباقية من يوسف عليه السلام وإخوته، لما جاءوا إلى مصر في أيام العزيز الذي قرَّب يوسف وجعله على خزائن الأرض ..

ثم يعلمهما الحق التحية لمن هم من أمثال فرعون .. والسلام على من اتبع الهدى وهذه ليست بتحية ؛ لأنك تُحيي مَنْ كان مُتبعاً للهدى وتدعو له بالسلام، فإنْ لم يكُنْ كذلك فهي نهاية للكلام .

 

إن ذلك الحوار الذى دار بين الحق سبحانه وبين موسى وهارون عليهما السلام فيه من الآيات ما تخر لها القلوب ولكننى هنا سأتوقف عند أربع كلمات اشتملا على ما لم تشتمل عليه كتب علم ضخمة

” أننى معكما أسمع وأرى ”

كلمات أربع ولكنها تحمل كل معانى الونس والعناية والحفظ والأمان والإطمئنان .. تخيل أن الله معك يسمعك ويراك .. ينظر إليك ويشملك برعايته وحفظه .. فما الذى ستتوق له النفس بعد هذا , وما الذى يمكن أن يتسلل إلى القلب إلا الطمأنينة والسلام الأبدى ..

وما الذى يمكن أن تستشعره إلا أنه قد صار لك جناحان تطيران بهما وتسمو فوق كل معنى بشرى يغزو جسدك وكل رغبة تعترك بداخلك وكل شهوة تعصر روحك .

اللهم أنظر لنا نظرة لا نشقى بعدها ولا نشعر بوحدة ولا حرمان ..

 

Author darelbasheer

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *