شهد الكلام .. ” سلسلة قال ربى ” 15

تكررت حوارات بين رب العالمين والكثيرين فى القرآن الكريم .. ولكل حوار غاية أراد الله أن تستقر فى نفوسنا وتتعمق بها لتهدأ .. ونور يستقر فى القلوب لتضئ ..

معشر الجن والأنس

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ  

وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ  

قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ  

قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ  

وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ

يدور هذا الحوار يوم الحشر وهو اليوم الذي يقف فيه الجميع ويُحشدون فينادى الحق سبحانه معشر الجن بأنكم أضللتم كثيراً من الأنس واستكثرتم منهم وأطاعوكم في الوسوسة فأصبحت لكم السيادة عليهم ..

فيرد من تولاهم من الأنس بأن كلا منهم استمتع بالآخر , فنجد بينهم تبادل استمتاع من خلف منهج الله، فاستمتاع الجن من الإنس بإنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم ، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور وأشركوا بعبادة الله بإغواء الجن إياهم .. وقيل : كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن من جميع ما أحذر ,, وهذا الاستمتاع لا يدوم بل له أمداً وأمد الأجل ساعة تنقضي وتنتهي الحياة ،

ثم يبدأ الحساب فيسمعون قول الحق بأن النار مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم ماكثين فيها مكثاً مخلداً إلا ما شاء اللّه الحكيم في أن يعذب أو أن يرحم ، العليم بمن يستحق أن يعذّب ومقدار عذابه، وبمن يستحق ان يثاب وينعم وبمقدار ثوابه ونعيمه ،

ويقول الحق سبحانه كما صنعنا مع الجن والإِنس باستكثار الجن من الإِنس واستمتاع بعضهم ببعض إضلالا وإغواء وطاعة وانقيادا، نجعل من بينهم ولاية ظالم على ظالم ..

ويجب هنا أن نتيقن أنه لا يوجد ملكاً يأخذ الملك قهراً عن الله ، ولكن إذا العباد ظلموا وطغوا يُسلط الحق عليهم من يظلمهم، ولذلك يقال: ” الظالم سيف الله في الأرض ينتقم به وينتقم منه “

فكأن ما سُلِّط على الناس من شرّ عاتٍ هو نتيجة لأعمالهم؛ ولذلك كان أحد الصالحين يقول: أنا اعرف منزلتي من ربي من خُلُق دابتي؛ إن جمحت بي أقول ماذا صَنَعْتُ حتى جمحت بي الدابة ؟!

ثم يقيم الحق سبحانه عليهم الحُجة بأنه لم يضع لهم العقوبات إلا بعد أن أعطاهم بلاغاً بواسطة الرسل من أول ” آدم ” إلى أن انتهى إلى ” محمد ” صلى الله عليه وسلم عما يجب أن يُفعَل، وما يجب أن يُترَك. فلم يأخذهم – سبحانه – ظلماً.

وفى هذا اليوم المخزي حيث سيقفون أمام الله ويذكرهم الحق أنه قد نبههم فياتى إقرار منهم وشهادة على أنفسهم ، ولكن ما الذي منعهم أن ينضموا إلى الإيمان ؟

فتأتي الإجابة من الحق للمؤمنين أن هؤلاء قد غرتهم الحياة الدنيا وخدعتهم وظنوا أنها دائمة , فاعترفوا بكفرهم حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك وبما كانوا يعملون .

إن قضية إستحواذ الجن على الأنس ليست قضية قديمة بل هى مستمرة إلى وقتنا هذا وبصورة أعنف مما سبق .. إن المُستحوذين عليهم يحيطوننا فى كل جانب فى صور شتى .. رؤساء حولوا بلادهم إلى دمار شامل بدعوى الزعامة والسلطة , أدباء حولوا أقلامهم لحرب الله ورسوله علانية والخبيث منه من يدس السم فى العسل , علماء دين يحيدون عن منهج الله ليحققوا مالا وشهرة لن تجدى ولن تنفع , معلمون تركوا رسالة التعليم الشريفة لنسمع عن مهازل المعلمين مع الأطفال بنات أو صبية , أطباء تركوا مهنة الطب الشريفة ليتحولوا غلى جزارين لحوم وأعضاء بشرية لتتكدس حساباتهم بالملايين ..

لقد طغت البشرية وبعدت عن منهج الله وأكلت لحوم بعضها فتولى علينا الظالمين منا .

اللهم أجرنا من الظلم وأهله .. ومن الدنيا وفتنتها .. ومن النار وعذابها

Author darelbasheer

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *